حليب اسود الفصل الرابع


الفصل الثالث <br>من حليب اسود <br>https://sholltna.com/read-blog/87_%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D8%B3%D9%88%D8%AF.html <br>..................؟.................. <br> حليب اسود <br>https://sholltna.com/read-blog/85_%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D8%B3%D9%

.

الفصل الرابع

أحلامُ الخادمات

إني أحاول أن أجد معادلةً ذهبية، تنطبق على أغلب الكاتبات، أو حتى عليهن جميعًا، لكن من الواضح أنه لا وجود لمثل تلك المعادلة.

بدأت ج.ك.رولينق بكتابة سلسلة روايات هاري بوتر بعد ولادتها ابنها، وأهدت ما لحقه من كتب إلى ابنتها الرضيعة. تقول أن الأمومة هي مصدر إلهامها. قد يفترض أحدٌ منا أن أمًّا تكتب عن السحر والخوارق لابد وأنها تقص ذلك على أبنائها عندما تدسهم في أسرتهم، بيد أن ج.ك.رولينق تقول إنها لا تؤمن بالسحر والشعوذة! بل فقط بالدين. لا أعرف إلى أية درجةٍ يسهل عليها تسيير أمور منزلها، لكن يبدو أن رولينق بارعةٌ حقًا في صهر الأمومة والكتابة معًا.

 

وهناك توني موريسون، والتي كان لديها صبيان صغيران تربيهما وحدها عندما بدأت الكتابة. لقد أمضت سنواتٍ طويلةٍ لا تستطيع أثناءها الكتابة في ساعات النهار، فموعدها مع القلم والحبر يحل قبيل الفجر، قبل موعد استيقاظ أطفالها. وبقدر ما كانت حياتها صعبة في ذلك الوقت، قالت أنها اعتصرت الإلهام من كل مهنةٍ زاولتها.

 

في أحايين كثيرة، يبدو أن أكبر جائزةٍ تأمل كاتبةٌ أن تحوزها، ليست بوكر أو أورانج، بل مربية دافئة القلب ومخلصة. إنه حلمٌ مشتركٌ بين كاتباتٍ كثيرات، أن يسمعن هذه الكلمات الأربع السحرية: والرابحة بمدبرة المنزل هي…. ولا عجب أن من بين المنح المالية التي فازت بها سيلفيا بلاث هي منحة مربية!– مالٌ تستطيع به أن تستأجر مربيةً ماهرة تعتني بالبيت كي تجد الوقت والطاقة للكتابة.

 

غير أن هناك، حينها، الوجه الآخر من العملة. في كتابها المحرض للتفكير ملاحظاتٌ لكاتبٍ شاب، تتناول ساندرا سيسنيروس سؤال الطبقة، والكاتبات والشاعرات اللواتي حضين بخادماتٍ لهن وحدهن. تقول: أتساءل ما إذا كانت مدبرة منزل إيميلي ديكنسون الإيرلندية قد كتبت الشعر أو أنها أسرت أبدًا الرغبة بالدراسة وأن تكون شيئًا آخر إلى جانب اعتنائها بالمنزل. وتتابع سيسنيروس: ربما كان على مدبرة منزل إيميلي ديكنسون أن تضحي بحايتها ليكون بإمكان ديكنسون أن تحيى حياتها مغلقةً عليها الباب في الطابق العلوي، في زاوية غرفة نومها حيث كتبت ال 1775 قصيدة خاصتها. بقد ما يتجنب الوسط الأدبي الحديث عن هذه الأمور ال”دنيوية”، فإن للمال والطبقة نفس القدر من الامتياز المانح للقوة للبعض دون الآخر.

 

علينا أن نعير اهتمامًا هنا للأطفال أيضًا، لا أمهاتهم الكاتبات وحسب. لقد سار إبن سوسان سونتاج المدعو ديفد راييف على خطى والدته، وصار كاتبًا ومحررًا. في الحقيقة، كان هو محرر أمه لفترة. أيضًا، لطالما تحدثت كيران ديساي عن علاقتها الكتابية الطويلة بأمها أنيتا ديساي. وبالمثل، غاي جونسون، إبن أحد الأصوات الشعرية المحبوبة في أمريكا على اتساعها مايا آنجيلو، قد اختار هو أيضًا أن يصير شاعرًا كأمه.

 

رحت أقول لنفسي: لو أن هؤلاء الأبناء قد كرهوا لأيّ سببٍ يذكر عالم أمهاتهم، لما ساروا في طرقاتهم نفسها. أعتقد، في نهاية المطاف، أن الكاتبات لسن أمهاتٍ رديئات.

 

لكنني، وأنا أقول ذلك، أعرف أن هناك أمثلةً على عكس ما ذكرت، حالاتٍ من الصعب جدًا الحديث عنها. هناك كاتبات تمتعْن بمواهب رائعة، إلا أنهن لم يكن كذلك في أمومتهن. لا نعرف الكثير عنهن. العلاقة التي تبدو محسودةً على مظهرها، تقول حقائق أخرى تختبئ خلف الأبواب المغلقة. خلف الفوتوغرافات الرائعة والواجهات البراقة، هناك أفئدةٌ مسحوقةٌ لا نعرف عنها إلا اللممْ.

 

إحدى الأمثلة المعروفة هي: موريل سبارك.

 

سبارك، بلا شك، إحدى أهم المؤلفات الملهمات في القرن الماضي. كتبت أكثر من عشرين رواية والكثير من الأعمال الأخرى، بما فيها كتب للأطفال، ومسرحيات وقصص. وعندما رحلت عن هذا العالم في عمرٍ يناهز الثمانية والثمانين عامًا، أصدقاؤها وأهلها وناشرو ومحررو كتبها ونقادها وقرائها وصحفيون أيضًا، الجميع حضر جنازتها. هناك فقط شخصٌ واحدٌ لم يفعل. ابنها روبن.

 

يحتار المرء. ما الذي اتضح لابنها في ذلك الوقت، ابنها الوحيد، عندما عرف أنها قد رحلت إلى غير رجعة، ليرفض الذهاب إلى جنازتها؟. كم من الألم والمعاناة يتطلبه هذا الأمر؟ وكيف لأمٍّ، تعرف أنها ستموت قريبًا، أن تقضي أيامها الأخيرة وهي تدري أنها ليست على وفاقٍ مع وحيدها؟ كم من الحزن والوجع قد دفعها لاتخاذ قرارٍ كهذا؟

 

ولدت سبارك في إدنبورغ، ورحلت عن بلدها بعد فترةٍ وجيزةٍ أعقبت زواجها، حيث استقرت في دوديسيا في زيمبابوي، حيث عرض على زوجها وظيفة أستاذٍ هناك. وفي عام 1938م أنجبا إبنًا. لا أعلم ما إذا كانوا أكثر تعاسةً من العوائل التي عيش هناك من حولهم، ولكنها لاحقًا، بعد مرور بعض الوقت، قررت العودة إلى بريطانيا.

 

لقد رحلت وحدها. هل شعرت، وقت أن سارت مبتعدةً عن إبنها ذي الست سنوات، بأن هذه هي أصعب لحظةٍ في حياتها؟ أم أنها اعتقدت، بكل براءة و وفاء، بأنها ستعود قريبًا مرة أخرى؟ بيد أنها لم تعد على أية حال. كبر روبن على يد أبيه وفي أحضان جدته.

 

وبمضي الأعوام، اتسعت المسافة بين الأم وابنها. لكن ليس إلا الآن، عندما صار روبن رجلاً ناضجًا، أعلن عن رغبته في اعتناق اليهودية، هكذا ليقطع أية صلة باقية بأهله. أما سبارك، التي كانت وقتها كاثوليكية مخلصة، فإن ردة فعلها جاءت عنيفة إزاء محاولة ولدها إثبات أن جدته وبالتالي أمه كانا في الحقيقة يهودًا. لقد زعمت أن ابنها قام بذلك بحثًا عن الإثارة والفضيحة كي ينال منها وحسب. بعدها، أضحت علاقتها بإبنها متأزمة حتى أنها أجابت صحفيًا سألها ما إذا كانت قد قابلته قط، قائلةً: طالما أبقى على نفسه بعيدًا عني، فليفعل ما يشاء.

 

و هكذا ظل كلّ منهما مبتعدًا عن الآخر.

 

في الخارج، خلف الستائر نصف المسدلة، تجري الرياح مسرعةً في الشوارع، يخرج من أوراق شجر الأكاسيا حفيفٌ عبر أنوار المساء المائلة. وبموازاة الريح المسرعة، يسرع الوقت أيضًا. إنه الآن يجري حثيث الخطى حتى أنني أشعر بنوبة ذعرٍ وكأنني تأخرت عن أمرٍ ما، لكن ماهو بالضبط، لا أعرف. كم أبلغ من العمر؟ خمسة وثلاثون. بدأت الأرقام بالارتفاع كعداد الأرقام الدوار في مضخة تعبئة البنزين: ستة وثلاثون، سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، تسعة وثلاثون.. إلى كم سنة أخرى أستطيع تأجيل قرار الإنجاب؟ الساعة على الجدار، الساعة في رأسي، الساعة في قلبي، الساعة في رحمي، كلها تدقّ في وقتٍ واحد. وبغتةً، يجتاحني إحساسٌ غريبٌ وكأن كل تلك الساعات قد أعدت لتقف كلها في لحظةٍ ما: الآن!.

 

في تلك اللحظة بالضبط، بدأت النساء الصغيرات داخلي بالطرق علي جدران صدري بعنف. أردن جميعهن الخروج. أردن أن يعقدن معي اجتماعًا طارءًا.

 

وفيما أقوم بأفضل ما أستطيعه لأبدو واثقةً ومتماسكة، وثبت على قدمي وسألت:

 

? أعتذر، هل بإمكاني استخدام دورة المياه؟

 

قالت السيدة آؤلو، متفحصةً وجهي بعينيها ذوات اللون البني الغامض:

 

? بالطبع، الباب هناك إلى اليسار.

 

لكنني لا أملك لا الوقت ولا الإرادة لأشرح لها أيًّا مما يحدث لي. اندفعت إلى دورة المياه وأغلقت الباب خلفي، وأدرت صنبور المياه كي لا يتناهى إلى سمع السيدة آؤلو أنني أتحدث ونفسي. همست:

 

? حسنًا، بإمكانكن الخروج الآن.

 

صمتٌ مطبقٌ. على المنضدة أمامي شمعةٌ عطريةٌ برائحة التفاح الأخضر. أرمق شعلتها تتهفهف جراء تحرّكاتي المتوترة.

 

? مرحبًا؟ لتخرجن، هيا!

 

أعرف أنني أصيح، لكن ما الذي بوسعي فعله عدا ذلك؟. كان هذا قبل أن يجيبني صوتٌ غارقٌ في الخمول:

 

? أوف، توقفي عن الصراخ وكأنك تعانين من مغص، إذا سمحتي!.

 

أتساءل أية واحدةٍ من أفراد جوقة أصوات الفوضى تحمل هذا الصوت، لكنني فضلت ألا أسأل:

 

? لماذا لا تخرجن لي؟ ظننت أنكن تردن عقد اجتماعٍ عاجلٍ، لقد حبست نفسي في دورة مياهٍ من أجلكن في بيتٍ لست فيه سوى ضيفة.

 

? لقد أردنا أن نجتمع، إلا أننا أدركنا أنه وقت العشاء، فذهبت كل واحدةٍ منا إلى منزلها لتأكل لقمة. لذا، لا نستطيع أن نخرج الآن هكذا.

 

? أوه، رائع.! هذا ما كان ينقصني..

 

? لا تكوني نزقة. أقول لك أمرًا؟ لم لا تهبطين إلينا هنا بنفسك يا حبيبتي؟

 

خلافًا لشخصية أَلِس في بلاد العجائب، لا أحتاج أن أتجرع دواءًا سحريًّا كي يتضاءل حجمي حتى أصير كإصبعٍ لأتمكن من الترحّل في عالمٍ آخر، إذ لم يكن جسدي من أراد الترحال، بل ذهني. أستطيع أن أتخذ أية هيئةٍ أردتها وأبقى في نفس الوقت دون هيئةٍ على الإطلاق. وبعد أن فكرت بذلك، أخذت نفسًا عميقًا، واختطفت الشمعة عن منضدة دورة المياه، ونزلت الدرج المغطى بالطحالب داخلي، إلى حيث تقبع زنازين روحي.

لقد حان الوقت لحديثٍ صارمٍ مع نسائي الصغيرات الأربع الصغيرات.

الحريم اللواتي بداخلي

 

 

 

 

 

الحريم اللواتي بداخلي

 

المكان في الأسفل مظلمٌ وضبابي. تبدو روحي، بمتاهات أزقتها هذه وممراتها السرية، موقعًا مثاليًا لروايةٍ مرعبة أو فيلمٍ عن مصاصي الدماء. أدركت، ناظرةً يمنةً ويسرةً، أنني مشوشةٌ بالكامل. لقد مشيت هذه الطرق المسدودة والشوارع الخلفية المعتمة مراتٍ عدة، لكنني أضيع فيها حتى الآن.

 

هناك تقاطع في البعد، حيث تنشقّ عنه أربعة مسالك. وأنا أرمش، رفعت الشمعة إلى مستوى عيني وحدقت في الضباب الثخين غير المرحّب بي. أي مسلكٍ أتخذ الآن؟ أحاول أن أفكر بآلةٍ ضخمةٍ، آلةٍ دوارةٍ، بين البوصلة ودولاب الحظ. هذا تمرينٌ ذهنيٌّ أقوم به عندما أتذبذب. رغم أنني لست واثقةً من أنه يساعدني حقًّا. في عين عقلي، أدرت العجلة بأقوى ما استطعته، انطلقت مسرعةً، ثم انتظرتها تبطء وتبطء، حتى وقف مسمارها مشيرًا على الحرف غ. قررت سريعًا أن هذا يعني أن أتجه غربًا. وبانقيادٍ تام، اتجهت لذاك السبيل.

 

هناك، في مدينةٍ دقيقة التنظيم مثل بروكسل، في شقةٍ أنيقةٍ وحديثة التصميم، مفروشةٍ باعتدال، تعيش الآنسة العملية القصيرة. إنها جانبٌ مني، الجانب الذي يتمتع بمنطقٍ سليمٍ وواقعيةٍ عالية. كبست على جرس بابها، وأثناء ما كانت تتحقق من هويتي عبر كاميرا المراقبة على الباب، سمعت طنينًا، وانفتح قفل الباب لأدخل. ها هي! تجلس إلى طاولتها مفعمةً بالحيوية في ملابس رياضية. على الصحن أمامها شطيرةٌ من جبنة الماعز وشرائح من الدجاج التركي المدخن على قطعةٍ من الرغيف الأسمر. وإلى جانب الصحن مقدارٌ قليلٌ من شراب الكوكا الخاص بالحمية. إنها تراقب وزنها منذ عرفتها. بالكاد يبلغ طولها إحدى عشر سنتيمترًا ونصف، وبالكاد تزن نصف كيلوغرام. ترتدي ملابس عادية ومريحة: قميصًا منشمًا لونه بيج، ونظارةً بإطارٍ كاملٍ أحمر، وبنطالاً بنيًّا كثير الجيوب لتبقي أشياءها في مطال يدها. تندسّ قدماها في صندلٍ جلدي. شعرها الأشقر الداكن كان قد قص كي يكون قصيرًا ولا يحتاج لأي تصفيفٍ وجهد؛ يكفيه أن يغسل وحسب سائل الشامبو وسائل ترطيب الشعر ممزوجان في علبةٍ واحدة!. أما تجفيف شعرها فهو أمرٌ بعيدٌ تمامًا عن الحدوث.

 

قالت بمرح:

 

? “يا هلا! الكبيرة وصلت.." ما الذي جرى عليك؟ شكلك مريعٌ للغاية.

 

أجبت متذمرةً:

 

? بلى، شكرًا.

 

سألت:

 

? “طيب، وش جديدك؟”

 

ولسببٍ ما لا أستوعبه، تحب هذه الفتاة أن تتحدث بسرعة، كأنها تطلق كلامها من مسدس، تحشر فيه أيضًا تعابير عاميةٍ وأخرى سوقيةٍ أحياناً.

 

قلت:

 

? آه، يا آنستي العملية الصغيرة، يجب أن تساعدينني.

 

? “نوبروبلم!” النجدة في طريقها إليك!

 

? هل تناهى إلى سمعك السؤال الذي ألقته علي السيدة آؤلو؟ لا أعرف كيف أجيب عليه، هل من الممكن أن أكون أمًّا جيدةً وكاتبةً رائعة في نفس الوقت؟ هل أنا راغبةٌ بالإنجاب؟ إذا كان الجواب لا، فلم لا؟ وإذا كان نعم، فمتى ولماذا وكيف؟

 

قالت وهي تربت بمنديلٍ على فمها لتجففه بعد تناولها الطعام:

 

? “أوووه، يا بنت! الموضوع سهل! لا تعملي من الحبة قبة!” تستطيع الفتاة أن تصير كاتبةً و “ماما” أيضاً، لم لا؟ كل ما تحتاجينه هو أن تضعي كامل ثقتك بي.

 

? حقًّأ؟

 

? نعم. إليك ما ستقومين به. ستقسمين وقتك إلى شطرين: وقت للكتابة ووقت للحضانة.

 

ثم توقفت، وبنظرةٍ شقيةٍ تقيس بها مدى قبولي لما تقول، وقالت:

 

? هذا يعني أن عليك البدء بارتداء ساعة اليد!

 

أجبت:

 

? أنت تعرفين أنني لم أرتد ساعة يدٍ قط؛ الساعات، واللون الأبيض، والفجل، ثلاثة أمورٍ سأبقى هاربةً منها إلى الأبد.

 

قالت بغموض:

 

? حسنًا، هناك أمرٌ والحالة هذه قد ترحبين به. يحدث وأن يكون هذا الأمر هو حلّ مشكلتك.

 

? ما هو؟

 

? الانفصام!

 

فور أن رأتني قد جفلت، راحت تضحك:

 

? فصل حبوب الحنطة عن قشرتها.

 

ثم أردفت:

 

? ذاك بالضبط ما عليك القيام به.

 

مرةً أخرى يَضْحى وجهي بلا تعابير. ومرة أخرى تبتسم هي بثقةٍ كأنها تشعر بنبض العالم كله تحت سبابتها.

 

? “يا بنتي شوفي الموضوع كذه”: العقل الإنساني يشبه أدراج المطبخ؛ الأواني الفضية في درج، والمناديل في آخر، وهكذا. اتبعي نفس التصميم. عندما تدخلين وقت الحضانة، افتحي درج الأمومة، وعندما تدخلين وقت الكتابة، افتحي درج الرواية. هكذا ببساطة. أغلقي درجًا وافتحي الآخر. بلا اشتباهٍ ولا تناقض. ودون أن يبْريك الهم. كل الشكر للانفصام!.

 

? واو! كان ذلك رائعًا. بيد أن هناك تفصيلٌ صغيرٌ لم تأت عليه. أثناء انشغالي بالكتابة، من سيعتني بالأطفال؟

 

قالت بنخرةٍ في صوتها:

 

? وكأن هذه مشكلة تذكر! مرحبا! هنا عصر العولمة! بحركةٍ صغيرةٍ من إصبعك تستطيعين أن تجدي مدبرة منزل؛ فلبينية أو من المالديف، أو حتى بلغارية.. بإمكانك اختيار جنسيتها إن أردت.

 

حشرت الآنسة العملية القصيرة كفها في إحدى جيوبها ثم قدمت لي ورقة:

 

? أنظري، أعددت لك قائمةً بكل المعلومات التي تحتاجينها؛ أرقام هواتف وكالات تأجير مدبرات المنازل وجليسات الأطفال و أيضًا أرقام حضاناتٍ وأطباء أطفال. عليك أيضًا أن تجدي مساعدةٍ لتجيب على رسائلك الإلكترونية. ستجعل من حياتك جنة. ولو فكرتي في إيجاد سكرتيرة والحصول على مسجّلة صوت، فستتوقفين عن الكتابة باليد مرةً واحدة! “شفتي كيف؟"

 

وبقلبٍ مثقلٍ سألتها:

 

? ما الذي تقصدينه؟

 

? أقصد أنك بدل أن تكتبي رواياتك، إحكيها لهم وحسب. المسجلة ستسجل صوتك. ولاحقًا، ستطبع سكرتيرتك النص كله. أليس هذا عمليًّا؟ هكذا تستطيعين أن تنهي روايةً دون أن تضطري لمغادرة أطفالك.

 

قلت لها ممسكةً أعصابي بقدر ما استطعته:

 

? من باب السؤال فقط، كيف سأتمكن بالضبط من تحمّل نفقات مدبرة منزل ومساعدة وسكرتيرة؟

 

قالت:

 

? أوه، تبدين سلبيةً جدًا. أنا هنا أقدم حلولاً عملية لمشاكل حقيقية وأنت لا تنظرين إلا للتوافه.

 

فانفجرت معترضةً:

 

? لكن المال مشكلة حقيقية.

 

ولوهلةٍ صمتنا، ولم يصدر من أحدنا أي صوت. كنا نعبس ونتجهم. ثم استأنفت الحديث:

 

? وزيادة على ذلك، حتى لو كنت أملك المال، لا زلت لا أستطيع القيام بما اقترحته. إنه ضد قيم العدالة والحرية اللتان أؤمن بهما بشكلٍ مطلق. لا أستطيع أن أجيش كل هؤلاء الناس لخدمتي، وكأنني مهراجا.

 

قالت الآنسة العملية القصيرة بتهكّم:

 

? الآن تتحدثين بلا منطق. ألا تعرفين أن كل كاتبة ناجحة، هي مهراجا؟

 

? كيف جاز لك أن تقولي ذلك؟

 

فردت علي:

 

? كيف لك أنت أن تنكري ذلك؟ تذكري تلك الكاتبة الذئبة التي تجلّينها كثيرًا!

 

وفورا أن نويت سؤالها عن أية امرأةٍ تتحدث، خطر لي أنها تعني فرجينيا وولف.

 

? هل تظنين أن سيدتك تلك لديها “غرفةٌ تخصها” وحسب؟ بالطبع لا. كان لديها طباخةٌ تخصها، وخادمةٌ تخصها، ومزارعٌ يخصها، دون ذكر مدبرة شؤونها الخاصة! إن مذكراتها مليئة بالاعتراضات على خدمها الكثر.

 

مثقلةً بالفضول، سألتها:

 

? منذ متى تقرأين عن حياة الكاتبات؟

 

اطلاع الآنسة العملية القصيرة يقتصر على نوعين من المواضيع وحسب: الكفاءة والعملية؛ عناوين مثل: كيف تكسب أصدقاءًا وقلوبًا، ومفتاح النجاح الساحق، وعشر خطوات للوصول للقوة، وفنّ معرفة الناس، وأيقظ الملياردير بداخلك، وسرّ الحياة الهانئة. إنها تلتهم كتب تطوير الذات كحبات الفشار. لكنها لا تقرأ الروايات إطلاقًا. الخيال، في عينيها، ليس عمليًّا.

 

قالت تدافع عن نفسها:

 

? إذا كان من فائدةٍ فيها، فأنا أقرؤها.

 

? وما هي فائدة المرأة الذئبة تلك؟

 

حدجتني بنظرة استصغارٍ قاتمة:

 

? اعتادت سيدتك على كتابة أوامرها لخدمها على قصاصاتٍ من ورق الخردة؛ المهام التي تريدهم إنجازها، والأطباق التي تريدهم أن يعدوها، والثياب التي تريدها أن تغسل. كل ذاك تكتبه لهم. هل تتخيلين؟ لقد عاشوا معها تحت سقف واحد، وبدل أن تتحدث إليهم، قامت بالكتابة لهم.

 

قلت خانعةً:

 

? حسنًا، لكننا لا نعرف الحكاية كما تراها هي.

 

? كل شيءٍ كان يوماً ما تراه هي من الحكاية. هي وحسب. “لأنها يا حبيبتي الكاتبة"

لا أشعر بأنني أريد الشجار معها. في يدها مسطرة، وآلة حاسبة في جيبها، وفي رأسها خطط، هذه هي الآنسة العملية القصيرة، لقد اعتادت على القياس والحساب والتخطيط لكل شيء. أخذت القائمة التي أعدتها لي وغادرتها مسرعةً، ولا زلت أشعر بالضيق.

أدرت العجلة مرةً أخرى، فتوقفت على حرف الش. هذه المرة، اتجهت شرقًا.

Read our Reviews on HubSpot’s Agency Directory