كيف يكون «الانضباط» أداة أساسية لحل مشكلات الحياة؟

الجزء الأول: تأخير المتعة واختيار الألم

كيف يكون «الانضباط» أداة أساسية لحل مشكلات الحياة؟ الجزء الأول: تأخير المتعة واختيار الألم

في أحد الأيام، سأل المعالج النفسي «إم سكوت بيك» أحد مرضاه: «هل تحبين الكعك؟»، فجاوبت بنعم، ثم سألها: «أي جزء من الكعك تحبين؟»، فردت بحماس: «الجزء العلوي المتكون من الكريمة»، ثم سألها: «كيف تأكلين الكعك؟»، قالت: «آكل الطبقة العلوية الكريمية أولاً، ثم بقية الكعك [الجزء الإسفنجي]».

ما يحاول إم سكوت القيام به هو أن يستشف طبيعة سلوك هذه السيدة في الحياة والعمل من خلال طريقة تناولها للكعك..

أحد الأفكار المحورية التي تقوم عليها فلسفة إم سكوت بيك هي أن المشكلات تعتبر سبيلاً للنمو الروحي والفكري للإنسان، لكن المشكلة تكمن في أننا كبشر لدينا نزعة للهروب من مواجهة المشكلات وتجنب الألم، فالتعامل مع المشكلات يستدعي الكثير من الألم والمشاعر غير المريحة. ومن وجهة نظره، تشكلالقدرة على الانضباط أحد أهم الأدوات الأساسية للتعامل مع مشكلات الحياة وحلّها، وبحسب قوله، يمكن تنمية حس ومهارة الانضباط من خلال العمل على تبني ٤٤ تقنيات رئيسة.

أميل إلى الاعتقاد بأن القدرة على الانضباط هي أحد أسرار فهم “كود” التجربة البشرية لذلك سأخصص سلسلة من التدوينات حول هذا الموضوع، في هذه التدوينة، سأتناول التقنية الأولى وهي: تأخير المتعة (Delaying Gratifications)، وسأتطرق إلى التقنيات الأخرى في التدوينات القادمة بحول الله.

طبقة الكريمة والعمل

عودة إلى السيدة التي تحب أكل الطبقة الكريمية أولاً، بحسب تحليل إم سكوت، سلوكها هذا يعطي مؤشرًا على طبيعة عاداتها في العمل. لطالما اشتكت السيدة من صعوبات وضغوطات العمل، لكن عند النظر إلى هذه الضغوطات من منظور “الكريمة أولاً”، اكتشفت السيدة أنها في عملها عادة ما تكرس الساعة الأولى للعمل على المهام التي تحبها أو تعطيها شعورًا جيدًا، بينما تكرس الست ساعات المتبقية من الدوام في المهام التي لا تحبها/لاتريد العمل عليها، وبتالي تقضي معظم وقتها في العمل متوترة ومشحونة بمشاعر غير مريحة، محاولة مقاومة هذه المشاعر بالمزيد من التسويف والتهرب من المهام لا تريد أدائها.

لذلك اقترح عليها إم سكوت أن تقلب الآية: أي أن تكرس الساعة الأولى للعمل على المهام “البغيضة”، ومن ثم تكرس بقية الوقت للمهام التي تجلب لها المتعة، ويعلل إم سكوت ذلك بقوله: «ساعة من الألم متبوعة بست ساعات من المتعة، أفضل من ساعة من المتعة متبوعة بست ساعات من الألم».

استخدام تعبير “الألم” هو أمر عبقري، ففكرة الألم تتجاوز مجرد الألم الجسدي أو النفسي الناتج عن صدمات كبيرة، الألم هنا يعني كل ما لا يجلب لك شعور المتعة مهما بدا الأمر صغيرًا.

على سبيل المثال، لديك مبلغ محدود من المال بالكاد يكفي لمصاريف الشهر، لكنك رأيت جهاز إلكتروني لطالما وددت اقتنائه معروض للبيع بسعر أقل، إن اشتريته ستستنزف معظم ميزانية الشهر، هنا أنت بين خيارين:

  • اختيار المتعة: أن تحصل على الجهاز الآن وتضرب بالتزاماتك المادية عرض الحائط، وهذا الخيار يعتبر متعة لأنك ستشعر بشعور لحظي جيد
  • اختيار الألم: أن تتغاضى عن رغبتك العارمة في اقتناء الجهاز نظرًا لالتزاماتك المادية

وتأخير المتعة في هذا السياق يعني أن تختار “خيار الألم” الآن، وتحصل على الجهاز لاحقًا عندما تتحسن أوضاعك المادية

فكرة اختيار الألم والمتعة يمكن اسقاطها على أي سياق، مثال آخر، أن يكون نظامك الغذائي مكون من أكل لذيذ جدًا – أو سهل الحصول عليه – لكنه سيئ جدًا لصحتك (متعة)، أن تلتزم بطعام صحي أقل لذة – أو يصعب الحصول عليه – (ألم)، لكن اختيارك لهذا الألم الآن سيمكنك بالاستمتاع أكثر لاحقًا لأنك غالبًا ستكون في صحة ونشاط وحالة جسدية أفضل وبالتالي حالة نفسية أفضل (تأخير المتعة).

لا شك أن اختيار المتعة الآنية هو أمر سهل جدًا لكنه قد يضعنا في ظروف صعبة لاحقًا، بينما اختيار الألم بجميع أشكاله ودرجاته أمر صعب جدًا. يذكرني هذا بمقولة لنافال رافيكانت:

خيارات سهلة الآن، حياة صعبة لاحقًا، خيارات صعبة الآن، حياة سهلة لاحقًا

لذلك، سلوك تأخير المتعة ما هو إلا عملية جدولة الألم والاستمتاع في الحياة، حيث أننا نستطيع أن نستمتع أكثر في حياتنا عندما نواجه ونتعامل مع الألم أولاً لننتهي منه، فيتبقى لنا جزء الاستمتاع، كما يشرح إم سكوت.

وربما أشهر الدراسات التي تدعم هذه الفكرة هي دراسة “المارشميلو” التي أجريت في ١٩٧٢ بجامعة ستنافورد، حيث قام عالم النفس والتر ميشيل بإجراء دراسة على بعض الأطفال (من فئة ٤ سنوات)، أعطاهم قطعة من المارشميلو وأخبرهم بأنهم يستطيعون أن يأكلوها حالاً، أو إن انتظروا لمدة ١٥ دقيقة سيحصلوا على قطعة حلوى إضافية، أي إن كان لديهم صبر ومقاومة أكبر، سيتم مكافئتهم بقطع حلوى أكثر، بعض الأطفال لم يستطيعوا المقاومة والتهموا المارشميلو فورًا (اختيار المتعة) بينما بعض الأطفال قاوموا (اختيار الألم/تأخير المتعة). المثير للاهتمام أن العالم قام بإجراء دراسة على نفس الأطفال بعد حوالي ١٠ سنوات ليجد أن الأطفال الذين استطاعوا تأخير المتعة (اختاروا الألم)، كان أدائهم الأكاديمي أفضل، وبعض الجوانب في حياتهم كانت أفضل بشكل عام مقارنة بالأطفال الذين أكلوا المارشميلو فورًا*.

الدراسات عديدة في هذا السياق وتحتمل الصواب والخطأ، لكن جوهر النظرية قائم على فكرة أنه كلما كان لدى الإنسان سعة وقدرة على التحكم باندفاعاته اللحظية (impulsiveness) – أي أن يكون سلوكه وقراراته نابعة عن تفكير متروّي – كلما كانت جودة حياته أفضل.

أعتقد أن معظمنا يعاني من عدم القدرة على تأخير المتعة في مختلف تفاصيل حياتنا. شخصيًا يحدث هذا الأمر معي كثيرًا، لا أستطيع حصر عدد المرات التي أؤجل فيها العمل على أمور مهمة من أجل القيام بأمور تافهة وفيها مضيعة للوقت فقط لأنها تجعلني أشعر بشعور جيد، خاصًة إن كنت أحاول التهرب من المهام الضرورية. لذلك أقترح عليك التالي:

  • في كل مرة يكون لديك مهمة ذات أولوية وأهمية عالية يتوجب عليك اتمامها لكنك تجد نفسك تقوم بأمور أخرى غير هامة، إسأل نفسك: «هل أحاول الهروب من التعامل مع الألم؟»، «هل لدي السعة والقدرة على تأخير المتعة والتعامل مع الألم أولاً؟»، «هل سلوكي هذا ناتج عن حس اندفاعي لحظي أم قرار متروّي؟»

على الصعيد المهني ساعدتني هذه الأسئلة – أو العدسة – كثيرًا لأصبح منتجة أكثر وأقدم عملاً ذا جودة أفضل، ويكون لدي وقت أكبر لأستمتع بفعل أمور/نشاطات خارج نطاق العمل، ببساطة لأنها تساعد على إعادة توجيه التركيز وتكريس الوقت والجهد على ما يجب اتمامه. لكن الحق يقال، لازلت في أحيان كثيرة لا أستطيع مقاومة بعض الاغراءات التي تلهيني وتمنعني من ترويض اندفاعاتي اللحظية وبالتالي أفشل في تأخير المتعة.

ما وراء الكعك والمارشميلو

أخيرًا لا يمكنني أن أتعرض لمفهوم تأخير المتعة دون التعريج على محورية هذا المفهوم في السياق الديني، ليس فقط في الدين الإسلامي (الحياة الدنيا الآنية vs. الحياة الآخرة الباقية)، بل جميع الأديان تربي على فكرة أن الألم والمعاناة هو ما يعطي الحياة معنى. هذا المفهوم جدير بالتوقف عنده والتأمل فيه مطولاً لا سيما في حضور قوي لثقافة الآنية وفكرة “أنت تعيش مرة واحدة فقط، فكرة باللحظة فقط، عيشها بالطول والعرض…إلخ”، أعتقد أن هذه إحدى الموضوعات الشائكة، أعني كيف للألم والسعادة أن يلتقيان في ذات اللحظة؟ أين يقع الخط الفاصل بين أن تعيش اللحظة وتعيش للبعيد المجهول الذي لم يأتي بعد؟ هل لكل ألم ومعاناة معنًا بالضرورة؟ هل وجود المعنى جوهري في الألم والمعاناة أم نحن من يضفي هذا المعنى عليهما؟ الأسئلة لا تنتهي…

تنويه: أعتقد أن الموضوع أكثر تعقيدًا من طريقة أكلك للكعك  لذلك لا تحكم على نفسك أو الآخرين بناء على هذا المثال الذي استُجلِب من سياق ظرفي زمني مكاني معين لا يمكن تعميمه على كل البشر.

*بخصوص دراسة المارشملو فقد تبعها دراسات مشابها في سنوات لاحقة، وتقترح هذه الدراسات أن قدرة الأطفال على الانضباط هي أحد العوامل التي أثرت على نجاحهم أدائهم، لكنها ليست السبب الرئيسي، العوامل ذات التأثير الأكبر هي الخلفية الديموغرافية للطفل وطريقة تنشأته.

–انتهى–


sayed ahmed

25 Blog posts

Comments
ZienaB Elmahdi 2 months ago

👌 Perfect